مقالات الإبادة الصامتة في سورية
السبت, 27 تموز/يوليو 2019 13:22

الإبادة الصامتة في سورية

الإبادة الصامتة في سورية

خديجة جعفر

لا يمرّ يومٌ منذ ثماني سنوات ونصف السنة، لا يُقتَل فيه سوريون مدنيّون، وليس التجاهل وعدم الاكتراث الموقف الوحيد لهذه الجريمة الجماعية؛ بل تعدّى الأمر إلى موقف "التواطؤ الصامت" أو التوافق "غير المتفق عليه"، حتّى تمرّ جريمة "الإبادة" التي بُثّت على الهواء مباشرةً من دون أن توقفها أيّ قوّة.

سك القانوني البولندي اليهودي، رافاييل ليمكن، مصطلح "الإبادة" عام 1944، وأخذ موافقة الأمم المتحدة لعدّها "جريمة" في القانون الدولي. وذلك بعد أهوال حروب ألمانيا في أوروبا، واضطهادها اليهود والبولنديين وغيرهم. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف هذه الجريمة عن الحدوث، مثلما كانت تحدث قبلَه، ولم يفلح هذا القانون في منع وقوعها، أو في تشخيصها المبكّر على أقلّ تقدير.

جريمة الإبادة هي "خطة منظمة تهدف إلى القضاء على أفراد مجموعة قومية بهدف إنهاء وجودهم"، كما عرّفها رافييل، ليمكن في الفصل الرابع من كتابه "حكم المحور في أوروبا المحتلّة". يخبرنا التّاريخ أنّ الإبادة تحدث عادة على هامش حرب تأكل الأخضر واليابس، ويعلو فيها صوت الخوف والتخويف من خطرٍ قد يكون حقيقًيا، لكنّه مبالغٌ فيه. وفي أتون هذه الحرب عالية الصوت والجَلَبة، تحدث الإبادة الصامتة الخافتة التي تغضّ كل القوى الفاعلة الطرف عنها لتمرّ من دون جَلَبة مثلا، وبحسب اعتراف الأمم المتحدة، حدثت إبادة اليهود على هامش الحرب العالمية الثانية، وصعود أيديولوجية الاشتراكية القومية الألمانية؛ كما حدثت مجزرة مسلمي سريبرينتيسا على هامش حرب تفكك يوغوسلافيا السابقة، وصعود القومية الصربية. وفي هذا الأوان، فإنّ "الحرب على الإرهاب"، والتي بدأت في منطقة الشرق الأوسط، منذ عام 2001، هي المتن الأساسي، وما عداه يقع في الهامش. وهكذا، وقعت الإبادة الصامتة في سورية على هامش جَلَبة الحرب على الإرهاب.

لا توجد حرب تظلّ إلى الأبد. ستنتهي "الحرب على الإرهاب" يومًا، ولكن حينما نفيق منها، سنجد أنّ إبادةً قد ارتُكِبَت في حقّ السوريّين من الغالبية السنّة، فهم بين قتيل وجريح وأسير مقتول وأسير على وشك القتل، ومهجّر ولاجئ في مخيمات الشريط الحدودي الشمالي ودول الشتات. والحرب الجوّيّة الدائرة على إدلب اليوم هي خطّة متسارعة جدًا للقضاء على البقيّة الباقية من الثورة السورية، ولكن في صمتٍ مطبق. من ينقلون أخبار المجزرة من قنواتٍ محليّة يبدون وكأنّ كواتم صوتٍ قد وُضِعت على أفواههم، أو بالقربِ منهم، فخرجت أصواتهم ضعيفةً باهتة.

الإبادة، كما يقول رافاييل ليمكن، هي مضادّ مبدأ روسو- بورتاليس، والذي ضُمّن في لوائح

لاهاي في بداية القرن العشرين، وينصّ على أنّ "الحرب يجب أن تُوَجّه ضدّ السلطة ذات السيادة، وضدّ الجيوش، وليس ضدّ الرعايا والمدنيّين". وعلى الرغم من مرور قرنٍ تقريبًا على ولادة هذا المبدأ الذي يبدو بدهيًّا، إلاّ أنّ الجيوش الحديثة تنتهكه في ثقة وأمن تامّ من العواقب.

لا يستهدف القصف الروسي في مناطق الثوّار في إدلب على مدى أربع سنوات من التدخّل الروسي سوى المشافي والمدارس والأراضي الزراعية ومصادر المياه، وهذا مُوَثّق في مئات التقارير. في هجمة التصعيد الشديدة على إدلب منذ 2 مايو/ أيار الماضي، وثّقت منظّمة الرعاية والإغاثة الطبية أنّ المشافي هي أكثر الأماكن تعرّضًا للخطر؛ إذ خرجت خمسة وخمسون مستشفى من الخدمة بعد شهرين من القصف المستمرّ، منها مستشفى واحد كان يخدم أكثر من 500 ألف شخص. كما وثّق فريق الاستجابة الإنسانية، في الثاني عشر من شهر يوليو/ تموز الجاري، قصف محطّة مياه في إدلب كانت تسقي 80 ألف شخص. هذه أمثلة حدثت أخيرا فقط، ولكنّ هذه الاستراتيجية الروسية الإيرانية الأسدية مستمرّة منذ بدأت الثورة.

استراتيجية استهداف المدنيين والمشافي والمدارس ومحطات المياه تعني إرادة متعمدة متوجهة نحو إبادة الوجود المدني المناوئ للنظام الروسي السوري تمامًا. وهذه جريمة إبادة لم يميزها المجتمع الدولي، على رغم من وضوحها، فعندما تشارك الأمم المتحدة "إحداثيّات" المشافي مع الروس فهذا يعني إنكارا متعمدا للحرب على المدنيين، والإصرار على أنّ ما يحدث في سورية هو "صراع" لا غير. وهو ما ينافي الحقيقة الجليّة.

عندما تنتهي الحرب في سورية، سيذكُر العالم جريمة الإبادة (الجينوسيد) الوحيدة التي بُثّت على الهواء مباشرة، عبر ثماني سنوات ونصف عبر آلاف التغريدات والمرئيّات والمصوّرات ومنشورات التواصل الاجتماعي. في عام 2015 كنت أتابع حساب عمر الصالح على فيسبوك، وهو أحد سكّان دوما الذين نجوا من الموت اليومي. كان عمر يرفع الصور ومقاطع الفيديو يوميًّا عن القصف والدمار والقتل العشوائي والجماعي يوميًّا في دوما، وما من مجيب، فمن ذا سيجيب؟ رُحّل عمر مع من رُحِّل ممّن بقوا في دوما في إبريل/ نيسان 2018، فلم يعد يكتب شيئًا.

المصدر: العربي الجديد