مقالات عن الخوف السوري
الاثنين, 05 آب/أغسطس 2019 16:43

عن الخوف السوري

عن الخوف السوري

هيفاء بيطار  

لا يمكن فصل الحياة في سورية، عن الخوف الذي يقارب الذعر من الأجهزة الأمنية. إذ يشعر المواطن السوري دوماً بأنه مُتهم بتهم وحده الله يعلم ماهيتها، وبأنه مُطالب بتقديم براءة ذمة عن سلوكه طيلة الوقت.

وللخوف السوري تصنيفات وتنوعات عدة ، فهو خوف خام، غالباً يصعب حصر أسبابه المباشرة كما لو أنه مُرتشح في الجينات، فلا أحد مهما كان مركزه حساساً قادر على انتقاد أبسط الأمور التي تُعتبر "خيانة" في حق النظام. وما أسهل التخوين في سورية. ففي بداية الثورة السورية في ربيع العام 2011، اختنقت جدران المستشفى الوطني وحتى غرف المرضى المساكين بلوحات من الورق المقوى كتب عليها: "خلصت، خلصت، خلصت...) أي خلصت المؤامرة، لأن النظام اعتبر أن ما حصل في البلاد منذ اليوم الأول، هو مؤامرة كونية. مرت سنوات، واللافتات بقيت ذاتها: "خلصت ، خلصت خلصت" على جدران المستشفى. فلا أحد، حتى المدراء ومدير الصحة ذاته، يجرؤ على انتزاع قصاصة ورق واحدة.

ويتجلى الذعر الأكبر، حين يضطر المواطن السوري إلى السفر خارج سورية (عن طريق لبنان عادة)، إذ يبقى في حالة من هذيان الترقب خوفاً من أن يكون ممنوعاً من السفر أو أن يتم إعتقاله لسبب ما! أما قمة الإذلال (وهذا ما يحصل دوماً) فهي أن يُفاجأ المسافر بأنه ممنوع من السفر بعد وصوله إلى الحدود السورية - اللبنانية (معبر العريضة). قد يكون المسكين على موعد مع سفارة أو سفر بالطائرة أو ذاهب في رحلة طبابة، لا يهم. المهم أن ضابط الحدود يبلُغه بأنه ممنوع من المغادرة ويُعطى قصاصة ورق لمراجعة فرع أمني ما. أما لماذا لا يبلغون المواطن المنكوب إياه بأنه ممنوع من السفر حال صدور القرار؟ فهذا شأن أجهزة الأمن، ولا يهم إن ضاع موعد السفر أو غيره من مواعيد هامة، إضافة إلى الكلفة المالية الباهظة التي يتكلفها المواطن بعودته من حدود العريضة، سواء إلى مدينة اللاذقية أو القرية التي يسكنها. ولأن سورية بلد اللامعقول، فإنك تفاجأ بأن بعض المسافرين أو المسافرات ممن تقاعدوا من عملهم منذ سنوات طويلة، يتهمون عند النقاط الحدودية بأنهم غير متقاعدين! إذ يصرخ بهم الموظف من وراء الكمبيوتر بأنهم لم يصلوا سن التقاعد، وتراهم يحاولون المستحيل للتأكيد له بأنهم تقاعدوا منذ زمن، لكنه لا يبالي بكلامهم ويعيدهم أدراجهم. وقد يكون حظ هؤلاء أفضل إذا صادفوا موظفاً آخر يسمح لهم بالسفر بعد مراجعته الكمبيوتر ذاته!. ترى ما الخلاف أو الفرق بين الموظفين؟ أليس الكمبيوتر جهازاً موثوقاً به في حفظ المعلومات؟ بالتالي، كيف يقرأ كل موظف على هواه ما فيه من معلومات؟. قمة الخوف السوري، حين يتلقى المواطن السوري (المُتهم حتى يثبت العكس) إتصالاً هاتفياً من أحد عناصر الأمن بعد منتصف الليل، يبلغه بضرورة مراجعة فرع المخابرات لشرب فنجان قهوة، وتلك خطة مدروسة وممنهجة لبيقى مذعوراً ومتوتراً كالوتر المشدود بانتظار انبلاج الفجر وطلوع الصبح. وحين يحاول المواطن المسكين معرفة سبب استدعائه، يجيبه عنصر الأمن: "لا أستطيع أن أخبرك لأن التلفونات مُراقبة!".. سبحان الله... من يراقب التلفونات سوى أجهزة الأمن؟ الغاية من كل هذه المسرحية، جعل المواطن السوري يشعر بذعر مروع وبأن الزمن توقف والصبح لن يطلع! ليعود المسكين ويستجمع قواه ويذهب إلى فرع المخابرات بعد أن يقطع العديد من الحواجز الإسمننتية والمعدنية. وعندما يصل إلى غرفة التحقيق، يكون قد أصبح على شفير الإنهيار قبل أن يُقابل الضابط الذي سيحقق معه حول جريمة هو ذاته لا يعرف ماهيتها، فهو يعيش وكل غايته تأمين لقمة الخبز لأولاده. يُترك المواطن وحيداً لساعات في غرفة، ينظر آلاف المرات إلى ساعة يده، وقد يدفعه نفاد الصبر إلى أن يقوم ويتجول في الرواق الطويل ويدخل غرفاً يسأل الموظفين فيها (بإستجداء) متى سيقابله ضابط الأمن؟ لكن لا أحد ينظر إليه أو يجيبه، وكأنه مجرد شبح أو خيال، فيعود إلى مكانه ويتسمر على كرسيه في إنتظار إشارة من الضابط المحقق. ولا أعرف ما إذا كان الضباط يستشيرون أطباء نفسييت ليعرفوا تماماً اللحظة التي تنهار فيها أعصاب المواطن الذي ينتظر التحقيق لساعات كالجحيم، يشتغل خلالها عقله بكل الاحتمالات... ويستعيد ذاكرته وهو يتساءل ما إذا سبق أن صدرت عنه عبارة مسيئة للنظام! أم أن أحد الحاقدين كتب فيه تقريراً. يُنهك عقله في البحث عن احتمالات قد تكون سبباً في استدعائه ولا يجدها.

في عام 2010، كنت مدعوة إلى المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا، وهو مؤتمر مهم تعقد فعالياته في "جامعة أيوا" ويضم أكثر من ثلاثين كاتباً من كل أنحاء العالم، يجتعون ليتبادلوا الخبرات الثقافية، وتُقام خلاله أنشطة ثقافية عدة، وسبق أن حضره الروائي خالد خليفة. قبل مشاركتي في المؤتمر، طلب مني الأستاذ القدير عبد الرؤوف عدوان أن أحسن لغتي الإنكليزية. وبالفعل، تابعت دورة في الانكليزية لمدة ثمانية أشهر في القنصلية البريطانية في اللاذقية. وذات صباح، تلقيت اتصالاً من عدوان أبلغني فيه بأن سيدتين أميركيتين تعملان في المركز الثقافي الأميركي منذ أكثر من ثلاث سنوات ستزوران اللاذقية ومن ضمن برنامجهما زيارتي. وهذا ما حصل، لكن، للأسف، لم يسمح وقت السيدتين بلقائي لأكثر من نصف ساعة في مبنى الكازينو في اللاذقية الذي سموه في ما بعد "نادي النقابات المهنية"، وأهدتني إحداهما كتاباً ضخماً يضم أحدث القصص الأميركية المعاصرة. علماً أني ألححت عليهما أن تقبلا دعوتي للغداء، لكنهما اعتذرتا لإرتباطهما بمواعيد كثيرة. لم أتوقع أن يتم استدعائي في الواحدة بعد منتصف الليل إلى مركز أمن الدولة بسبب لقائي مع السيدتين الأميركيتين! اعتقدت لوهلة أن يكون السبب أنني أكتب في الصفحة الثقافية في إحدى الصحف العربية. بعد طول انتظار، استقبلني المحقق بلباقة مصطنعة (هالني على رغم ذعري فخامة مكتبه) وقام وجلس قبالتي وسألني إن كنت أسمح له بأن يُدخن سيجارة؟...

يا سلام، على مسرح اللامعقول، أنا الطبيبة والكاتبة التي روعني في منتصف الليل وجرني إلى التحقيق، وها هو يستأذنني أن يدخن سيجارة! سرعان ما أخذ الضابط يحدثني عن شبابه وعشقه للشعر وسألني ما إذا كنت أدخن، ولا أعرف أي عطب حدث في عقلي في تلك اللحظة (ربما بسبب طول الإنتظار) إذ أجبته بأني أحياناً أدخن الأركيلة، سألني عن نوع المعسل، فقلت: "عنب"، وسرعان ما ضغط على جرس بجانبه، فدخل مُجند، أمره أن يحضر لي أكثر من عشرين علبة من معسل العنب! وودت أن أسأله عما إذا كان هناك ثمة علاقة بين التحقيق والمعسل، وبسبب صبري المحدود، سألته : لماذا أنا هنا؟ ما تهمتي؟ فضحك وأبدى إستغرابه توتري ثم سألني: ما الذي تريده منك السيدتان الأميركيتان اللتان التقيتهما في الكازينو بين التاسعة والتاسعة والنصف من صباح يوم أمس؟ لوهلة أولى، روعني السؤال وتساءلت كيف عرفوا بأني التقيت السيدتين؟ لكن سرعان ما أجبته بأننا تحدثنا في أمور ثقافية لأنني سأشارك في المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا وأن السيدتين موظفتان منذ سنوات في "المركز الثقافي الأميركي" في دمشق. فقال: "نحن نخشى أن يلعبن بعقولكن ويمررن من خلالكم برامج مسيئة لسورية!" فقلت له: "أنا لست قاصراً حتى يمرروا من خلالي برامج معينة. ثم إذا كن مشبوهات، فلماذا لا ترحلوهن إلى أميركا؟ ولماذا تتركوهن يعملن في المركز الثقافي الأميركي في دمشق؟ بعدها، بدأ المحقق يسألني أسئلة شخصية وخاصة عن ابنتي التي كانت في سنتها الجامعية الثانية، وحين قال لي: "سوف نعطيها بعض النصائح"... ارتجفت ركبتاي من الذعر... وكنت واثقة بأنني لن أستطيع الوقوف، وبدأ قلبي يقرع كالطبل وكاد يحطم عظام صدري . ورحت أتساءل: هل هذا تهديد مُبطن أم غير مبطن؟ وما علاقة إبنتي بالموضوع؟. أجبته بأن ابنتي تلقت أحست تربية وأن جدتها أستاذة في الفلسفة وجدها أستاذ لغة عربية وأمها طبيبة وكاتبة ولا تحتاج أي نصائح. فضحك منتشياً بذعري وقال: "هذا لا يمنع أن نعطيها بعض النصائح". خرجت من مبنى الأمن مشوشة على نحو غريب لدرجة لم أعرف هل أن الوقت صباح أم مساء. خرجت ومعي معسل العنب هدية من ضابط التحقيق وتذكرت كل مسرحيات اللامعقول خاصة مسرحية توفيق الحكيم "يا طالع الشجرة هات لي معك بقرة الخ". الخوف السوري لا مثيل له، لا خوف ينافسه. كيف ستُبنى الثقة بين المواطن وأجهزة الأمن إذا كان يشعر بأنه متهم دوماً حتى يثبت العكس وعليه الدفع ببراءته عن جرم لم يرتكبه؟

مع كل مقال أنشره خارج سورية، يسألني أصدقائي: هل سترجعين إلى سورية؟ فيكون جوابي: سأرجع حتى لو كان قلبي على كفي، لأن سورية وطني وهي لكل السوريين مهما فاحت منها رائحة الخوف والذعر. روحي ليست أغلى من أرواح أولئك الشجعان العظماء الذين ماتوا من أجل الحرية... ألم نكن نردد في المدارس كالببغاوات شعار: "وحدة، حرية، اشتراكية"

على مدار عقود خلت؟ فلماذا نُتهم بالخيانة حين نطالب بالحرية؟... ببساطة لقد قرفت الخوف.

المصدر: الحياة